محمد متولي الشعراوي

3014

تفسير الشعراوى

فهل هم التقطوه ليكون عدوا ؟ لا . لقد التقطوه ليكون قرة عين . ولكن قدر اللّه سبق . كان الأمل في أن يصير موسى قرة عين آل فرعون ، ولكن اللّه أراد أن يقوموا بتربيته ، ثم يصير من بعد ذلك عدوا لهم . وهكذا يتضح لنا أن تدبير السماء فوق تدبير الأرض . وموسى السامري مثلا ربته السماء بواسطة جبريل ، وولدته أمه منقطعا في الصحراء ، فكان جبريل ينزل عليه بما يطعمه إلى أن كبر ، وموسى ابن عمران ذهب إلى فرعون ليربيه ، لكن موسى السامري - الذي رباه جبريل - صار كافرا ، وموسى بن عمران الذي رباه فرعون أصبح رسولا إلى بني إسرائيل . وكلا القدرين أرادهما اللّه ، ولذلك يقول الشاعر : إذا لم تصادف في بريق عناية * فقد كذب الراجي وخاب المؤمل فموسى الذي رباه جبريل كافر * وموسى الذي رباه فرعون مرسل كأن آل فرعون قد قاموا بتربية موسى بن عمران ليكون عدوا لهم لا قرة عين . والعداوة تكون من جهة موسى لفرعون ، وتجىء العداوة من فرعون لموسى ، فيقول الحق : فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ( من الآية 39 سورة طه ) هكذا صارت العداوة من طرفين . والحق سبحانه وتعالى أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يصفح عن الخيانات التي تحدث منهم ، لعل الوعي الإيمانى يستقيظ فيهم ، ويقولون : لم يعاملنا بمثل ما عاملناه به ، ويعترفون به نبيا رحيما رؤوفا كريما ، ولا يقفون في وجه دعوته . لكن أيظل العفو والصفح هما كل التعليمات الصادرة من الحق إلى نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ لا . فقد مر الأمر الإلهى بمرحليات متعددة ؛ فالرسول يستقطب النفس الإنسانية بأن يستعبدها بالإحسان ، فإن لم يستعبدها الإحسان فلا بد أن يشمر النبي عن الساعد ويفعل ما يأمره به اللّه ، ولنقرأ قوله الحق : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ